فصل: كتاب الأيمان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: في تحزب الرماة:

11708- ومعظم التناضل يقع كذلك، ونحن نصوّره، ثم نندفع في حكمه، فإذا تحرب الرماة حزبين أو أكثر على أن ما يصدر من القرعات من أحد الحزبين يكون بمثابة صدورها من رامٍ واحد، وإذا فازوا، فالسبَق بينهم، فهذا صحيح، ولكن لابد من استواء الحزبين في الأرشاق والقرعات المشروطة، ولا اعتبار بعدد الرماة، فلو كان أحد الحزبين ثلاثة، والحزب الثاني أربعة، والأرشاق مائة على كل حزب، فلا بأس، فلو رامى رجل رجلين، جاز على هذا التنزيل، فيرمي كل واحد من الرجلين سهماً، ويرمي المناضل لهما سهمين، وكذلك لو رامى رجل رجالاً على شرط أن يكون على حد الإطاقة، فإن كان لا يفي، ولو رمى، لتخلف لا محالة، فهذا يقع في النظائر المقدمة في ذلك.
ومما ذكر الأئمة في اعتبار التعديل أنهم إذا كانوا يقتسمون الأعوان، فلا ينبغي أن يحكّموا القرعة؛ فإن القرعة تَعْدِل وتَجُور؛ فقد يجتمع الحذاق في جانب، والخُرْق في جانب، بل الوجه أن يقتسموا على اعتدالٍ، فيُضَمَّ حاذق إلى أخرق، وكذا في الجانب الثاني، حتى إن أرادوا بعد ذلك القرعة، فلا بأس؛ فإن القرعة تستعمل في القَسْم بعد تعديل الحصص والأقساط، وما ذكرناه أمر كلي بَعْدُ، والبيان بين أيدينا.
فلو تعاقدوا عقد النضال على التحزب قبل تعيين الأعوان، فالعقد باطل، لا أصل له؛ فإنه لم يرد على مَوْرِد معيّن، ولا وجه لالتزام الرماة في الذمة؛ فإنَّ الرماة هم المقصودون، فيجب أن يتعينوا، وهذا يؤكد ما ذكرناه من الرد على العراقيين في تجويزهم عقدَ المسابقة على الإطلاق، من غير إحضار الفرس.
ومما يجب الاعتناء بدركه، وبَعْدَه المسائل أن رجلين لو أخذا في النضال، وعقدا العقد، ونحن لا ندري أنهما متدانيان في الصنعة أم متفاوتان، فهذا يُبنى على أن أحدهما لو كان بحيث يفوز لا محالة، فهل تصح المعاملة؟ وليقع التفريع على الأصح، وهو الصحة، ثم نقول: التعاقد مع الجهالة بمبلغ الدراية في الرماية لم يمنعه أحد، وهكذا يكون النضال في الغالب، فلم يشترط أحد جريانه بين المعارف، ومسألة الغريب الطارق سنصفها في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى، وهي شاهدة لما ذكرناه، ثم إذا تعاقدا وبانا متدانيين، فلا كلام، وإن بانا متفاضلين، لم يخف تفصيله.
ونقول بعد ذلك: لو اجتمع أخرقون في حزب، وحذاق في حزب، فهذا كما لو رامى ناضلٌ أخرقَ، وقد مضى التفصيل فيه، ولأمثالِ هذا قدّمنا المقدمة.
11709- ونحن الآن ننعطف على ما ذكرناه من فصل القرعة، فنقول: إن اقترعوا ثم أنشؤوا رضاً بما اقتضته القرعة، فلا بأس، ولا منع؛ فإنهم لو تحكموا بذلك، جاز. وإن قالوا: رضينا بما اقتضته القرعة، ثم فرض رجوعٌ عن هذا الرضا، جاز. وإن استمروا على الرضا، ولم يُنشئوا رِضاً بعد انفصال الأمر بالقرعة، فالظاهر أن ذلك الرضا غير صحيح، فإنه في حكم المعلق بما سيكون، وتعليق الرضا باطل، ولا يمتنع أن يُحتمل في معاملة مبناها على الخطر، والأوجه المنعُ، وذلك الاحتمال بعيد؛ فإنّ الخطر في مقصود العقد إن احتمل، فلا ضرورة في غيره.
ووراء ما ذكرناه تأنق في التصوير يُسقط هذا؛ فإن ذلك إن فرض بعد العقد، فالعقد باطل لما قدمناه من اشتراط نزول العقد على معينين، وإن فرض قبل العقد، فالعقد يقع على معينين، فلتكن القرعة إذا كان التراضي يقع بعدها، ومن ضرورة إنشاء العقد الرضا بالذين تقع الإشارة إليهم.
11710- ومن أغمض ما يجب الاعتناء به في التحزب تصوير المحلِّل، فلو تحزب الرماة حزبين، وأخرج كل واحد سبَقاً، وكان مع الحزبين حزب محللون، فهذا جائز، والأحزاب كالأشخاص، وإن سبق أحد الحزبين، ولم يسبق الحزب الثاني، فجائز، وهو كما لو ترامى رجلان وأحدهما مُسْبِق دون الثاني.
ولو تحزب حزبان، وقال أحد الحزبين لواحد منهم: أنت ترمي وتستحق إن فُزنا، وإن فاز أصحابنا، فلا سبَق عليك من بيننا، ونحن نغرم السبَق دونك، فهذا الشخص من هذا الحزب على صورة المحلل، والحزب الثاني أخرجوا أسباقهم، فهل يقع الاكتفاء بما صورناه؟ في المسألة وجهان:
أحدهما: أنَّ ذلك كافٍ لوجود المحلل، والأصح- أن ذلك لا يكفي؛ فإنَّ المحلل هو الّذي إذا فاز، استبد بالأسباق، وليس الأمر كذلك في الصورة التي ذكرناها، فإن حكمها أن هؤلاء الذين فيهم المحلل لو فازوا، فأسباق الآخرين موزّعة عليهم، فليس يستبدّ المحلل؛ إذاً فليس محللاً.
ولو شرط الحزب الثاني لواحد منهم ما شرطه هؤلاء، فانطوى كل حزب على محلل، على الصورة التي ذكرناها، ففي هذه الصورة وجهان مرتّبان على الأولى، وهذه الصورة أقرب إلى الصحة، لاشتمال كل حزب على محلِّل، والوجه المنعُ؛ فإنَّ المحلل من يفوز بالأسباق، ولو شرط كل حزب كلَّ الفوز لمحللهم، فهذا ممتنع على كل وجهٍ؛ لأنه يكون فائزاً برميٍ من غيره، ولا سبيل إلى احتمال هذا.
وقد نجز الغرض في تصوير المحلل في الأحزاب، وذكر محل الوفاق والخلاف.
11711- ومما يليق بحكم التحزب أن أحد الحزبين إذا فازوا، فسبَقُ الآخرين مقسوم عليهم بالسوية، وإن لم يصب بعضهم شيئاً؛ فإنهم كالشخص الواحد، وعلى هذا الوجه يتفق الترامي، ولو شرط رجال كل حزبٍ أنهم إن فازوا، فالسبَق مقسوم بينهم على أعداد إصاباتهم، حتى يأخذ كل واحد من السبَق بنسبة ما أصاب، لم يجز؛ لأنه لو جُوّز يُفضي إلى أن يُتمم بعضُهم الأرشاق ولا يستحقَّ شيئاً؛ إذ لم يصب، ويكون المصيبون مستحقين بأرشاقٍ ناقصة عن أرشاق الحزب الثاني، فإذا تُصور هذا، فالمسألة محتملة مع هذا، بناءً على الغرر الذي هو عماد المعاملة، وليس يُنكِر هذا الاحتمالَ فقيه، مع أنه لا خلاف أن مطلق المعاملة مع التحزب لا يقتضي ذلك، بل يقتضي تنزيلَ كل حزب محل شخص. وإذا اتفق إحراز السبَق، فهو في العقد المطلق مقسوم على رجال الحزب الفائزين بالسويّة.
ولو تحزّبوا وتعاقدوا، فمرَّ رجلان، فاختار أحدَ الحزبين أحدُهما، واختار الحزبَ الثاني الثاني، ثم خرج أحدهما أخرقَ، والثاني حاذقاً، فلا خيار، وقد جرى التعاقد على الإبهام، فلا تتبُّعَ، ولا نقضَ، وهذا فيه إذا كانا في التحزب، فجرى ما جرى، ثم أنشىء العقدُ بعده؛ فإن هذا لو خطر بعده، لم يحتمل بحكم العقد، وخرج على الإلحاق بالعقد، وقد مضى.
ولو جرى ما وصفناه على الحد الذي ذكرناه، ثم تبيّن أنَّ أحدهما ليس برامٍ أصلاً، فقد قال الأصحاب: نتبين أنَّ ذلك الأخرق ساقط، فإذا سقط، سقط مقابله، وهذا فيه مستدرك عندي؛ فإن كان الأخرق بحيث لا يتمكن من أخذ قوس ونزع وتر، فالأمر على ما ذكرناه من السقوط، وإن كان يتمكن من نزع الوتر وإرسال السهم، ولكن كان ما اعتاد الرمي قط، ولا يُعد مثله رامياً، فهذا فيه احتمال، وقد يتطرق احتمال إلى أن مثل هذا هل يُرامَى مع العلم بحاله، فيجوز أن يقال: يُرامَى لتصوّر الرمي منه، ويجوز أن يقال: لا يرامَى؛ فإن إقدام مثله على الرمي خطر لا فائدة له فيه، وقد يجر عليه ضرراً بيّناً، فلا ينبغي أن يسوغ مثله. وقد نجز الغرض.
فصل:
11712- إذا كان يتناضل رجلان، ففضل أحدهما صاحبه بقرعات، فقال المفضول: حُطّ فضلك، ولك عليَّ كذا، فهذا لا يسوغ، سواء جوزنا إلحاق الزيادة أو منعناه؛ فإن مقابلة الفضل بالمال لا مجيز له، سواء قدرت المعاملة جائزة أو لازمة وهذا بيّن.
فصل:
11713- إذا تعاقدا على احتساب القريب وشُرط أن يُخرج الأقربُ ما هو أبعد منه، فهذا جائز، وكذلك لو شَرطا أن تُبطل الإصابةُ القريبَ، جاز ذلك.
وإذا كان في وسط القرطاس الذي هو المطلوب علامة، فوقع التشارط على أن إصابتها تُخرج إصابة ما حواليها من القرطاس، قال العراقيون: في جواز ذلك قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ فإن من أصاب القرطاس، فقد أبلغ في الحذق، والرميُ خَوّانٌ، فقد يصيب تلك العلامةَ أخرقُ على وفاقٍ، فيحبَطُ عملُ الحذاق، وهذا يضبطه أن تكون تلك العلامة بحيث يندر قصدها، وإذا اتفقت إصابتها حملت على الاتفاق، فينشأ منها الخلاف الذي ذكرناه.
ثم ذكر الشافعي الصلاة في المضَرَّبة والأصابع ومقصود هذا الفصل يتعلق بالصلاة والطهارة. والله المستعان.

.كتاب الأيمان:

11714- الأصل في الأيمان الآيات المشتملة على ذكرها وبيان كفارتها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سَمُرة: «يا عبد الرحمن لا تسأل الأمارة؛ فإنَّك إن أُوتيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أُوتيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإذا حلفت يميناً، ورأيت غيرَها خيراً منها، فكفّر عن يمينك ثم ائتِ الَّذي هو خير منها». واليمين تحقيقُ الشيء وتقريره بذكر الله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو بصفةٍ من صفات ذاته، نفياً وإثباتاً في الماضي، وإقداماً وإحجاماً في المستقبل.
يقول الرجل: "بالله ما دخلت الدَّار " يقرر به نفْي الدخول- ويقول: "والله لقد دخلتُ الدَّار"، فيقرر به إثبات الدخول، وفي المستقبل يقول: "واللهً لأدخُلَنَّ الدَّار"، ويقول: "والله لا أدخلُ".
وحقيقة مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه في تحقيق اليمين أنها تحقيق الوعد بما يكفر بضدِّه، وقيد بالوعد؛ فإنَّ اليمين على الماضي لا تنعقد عنده، ومعنى قولهم بما يكفر بضده أن قوله: والله لأفعلن كذا فيه تعظيم الرب تعالى، والإنسان يكفر بضده.
وإذا قال: إن دخلت الدَّار، فأنا يهوديٌّ، ففيه تعظيم الإسلام، والإشعار بامتناع الخروج منه، والمذكور في اليمين ضده المجتنب.
ثم إن الشافعي ذكر في صدر الكتاب ما يُقسَم به، والألفاظَ المستعملة في القسم، وما يقع منها صريحاً، وما يقع منها كنايةً.
فصل:
11715- قال: "من حلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه... إلى آخره". قال الأئمة: الألفاظ الدائرة في الأيمان تقع في أربعة أقسام، ونحن نذكرها، ونمهد قواعدها، ونوضح طُرق الأصحاب فيها، ثم إذا نجزت، نذكر مسائلَ مرسلةً في الألفاظ، ونُلحق كل مسألة بقسمٍ من الأقسام، إن شاء الله تعالى.
فالقسم الأول- إذا قال: بالله، أو قال: والله، أو ذكر اسماً آخر من أسماء الله تعالى: ما يرجع منها إلى ذاته، أو إلى صفات ذاته، أو إلى صفات أفعاله، كالخالق، والرازق، فهذا هو القسم الأعلى في ترتيب الألفاظ. قال الأصحاب: إذا نوى يميناً بما ذكره، أو أطلق، ولم ينو شيئاً، فهو حالف على التحقيق، ولو زعم أنه نوى غير اليمين، على ما سنذكر-إن شاء الله تعالى- وجهَ التورية ومحملَها- فلا يُقبل ذلك منه فيما يتعلق بحق الآدمي، وهل يُقبل قوله فيما بينه وبين الله تعالى؟ قطع القاضي بأنه لا يُقبل بينه وبين الله تعالى أيضاً، وفي بعض التصانيف ذكر وجهين في أنه هل تُقبل التورية بينه وبين الله تعالى وذكرهما شيخي على هذا الوجه أيضاً.
توجيه الوجهين: من قال: تقبل، احتج بأن التورية إذا كانت محتملةً ممكنةً، فالأصل قبولها وثبوتها باطناً، بدليل ما لو قال لزوجته: أنتِ طالق، ثم زعم أنه أراد طلاقاً عن وثاق، فهو مُديَّنٌ في الباطن، وإن لم يُقبل منه ذلك في الظاهر، والطلاق أولى بالوقوع والنفوذ.
ومن نصر الوجه الثاني، احتج بأن الكفارة تتعلق باللفظ المحترم الذي أظهره، ثم خالف، وإضمار ما يخالف اللفظ لا يُسقط ما ذكرناه من إظهار اللفظ ومخالفته، وهذا لا يتحقق في لفظ الطلاق، وقد ذكر الأصوليون أن من صرّح بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية، فإنه يكفر ظاهراً وباطناً.
وذكر العراقيون في طريقهم أن من قال: "بالله لأفعلنَّ"، ثم زعم أنه أضمر " وثقت بالله"، ثم ابتدأ قوله " لأفعلن " فهذا مقبول منه، ولم يفصلوا بين الظاهر والباطن، وحق الله تعالى وحق الآدمي، وهذا زلل لا يعتمد مثله، ولا يعتد به أصلاً، ولا آمن أن يكون الخلل في نقله من ناسخٍ. هذا بيان أصل المذهب في القسم الأول.
11716- والقسم الثاني- إذا حلف بصفة من صفات الله، فقال: وقُدرة الله، وعلمِ الله وكلامه-والصفاتُ الأزليّة معلومة- ومن الألفاظ الملتحقة بذكر الصفات أن يقول: وجلالِ اللهِ وكبريائه وعزته، وما في معنى ذلك، مما يدل على الذات، أو على صفة أزلية من صفات الذات.
قال الأئمة: إن نوى الحلف بهذه الصفات، أو أطلق ذكرها، ولم ينوِ ولم يُوَرِّ، فهو حالف، وإن نوى غير اليمين وورَّى، قُبل بينه وبين الله تعالى، وهل يُقبل في حق الآدمي ظاهراً؛ فعلى وجهين.
وإذا أطلقنا حق الآدمي، أردنا الإيلاء عن المرأة وما يُثبته لها من طَلِبة. هذه الطريقة المشهورة.
ومن أصحابنا من ألْحقَ هذا القسم بالقسم الأول في كل تفصيلٍ تقدم، وهذا متجه؛ فإنَّه صرح بما يصح الإقسام به، وذكر صلةً تُعَدُّ صَرِيحاً في القَسَم، فلا يبقى فرق.
وذكر العراقيون طريقة ثالثة، وقالوا: إذا ذكر القدرةَ، والعلم، والكلام، وزعم أنَّه ورَّى، قُبل منه ظاهراً، وباطناً، ولو أطلق، كان حالفاً، ولو قال: وجلال الله وكبريائه، فهذا يلتحق بالقسم الأول، والفرق أنَّ الصفات التي ذكرناها متعلقة بمتعلقاتها، وقد تُطلق ويراد المتعلقات، فيقول القائل: رأيت اليوم قدرة الله تعالى، وهو يريد مقدوره، وقد لا يتحقق هذا الوجه في الجلال والكبرياء.
وهذا تخييل لا حاصل وراءه؛ فإن الإنسان قد يقول: عاينتُ كبرياء الله، كما يتجوز بمثل ذلك في القدرة وكلِّ متعلق من الصفات الأزلية.
11717- القسم الثالث: إذا قال: أقسمت بالله، أو قال: أقسم بالله لأفعلن، أو قال: حلفت، أو أحلف، فقد قال أرباب اللسان: الجالب للباء في قول الحالف: (بالله) إضمار أقسمت، أو أقسم، أو لفظٍ في معناهما، فإذا قال: أقسمت بالله، أو قال أقسم بالله، فهذا تصريح بجالب الباء، أما حكمه في غرض الفقه، فالطريقة المشهورة أنه إذا قال: نويت بقولي: "أقسمت " إخباراً عن قسم مضى، وقصدت بقولي: "أقسم " إشعاراً بقَسَمٍ سيكون مني في مستقبل الزمان، فهذا مقبول منه ظاهراً، وإذا صدق، فلا شك في قبوله باطناً، وإن قصد إنشاء يمينٍ، كان حالفاً على التحقيق، وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، ولو يُورِّ بالوجه الذي ذكرناه، ففي المسألة وجهان: أصحهما- أنه لا يكون حالفاً، ووجهه أن أقسمت صريحٌ في الماضي، وأقسم صريح في الصلاح للمستقبل؛ فلم يأت بلفظٍ صريح في الإنشاء.
والوجه الثاني- أن مطلق لفظه يمين؛ فإن العرف جارٍ مطرد باستعمال هذه الألفاظ في إرادة الإنشاء لليمين، والعرف يقيد الألفاظ المترددة.
وقال صاحب التقريب: من أصحابنا من فرق بين قوله: أقسمت، وبين قوله: أقسم؛ فإن قوله: أقسمت صريح في الإخبار عن الماضي لا يصلح للإنشاء، وأقسم يصلح للحال والاستقبال جميعاً، وهذا بعيد، لا حاصل له؛ فإن هذا التردد كله فيه إذا أطلق ولم ينو، وإذا سلم صاحب هذا الوجه أن " أُقسم " متردد، فالتردد كافٍ في افتقاره إلى النية، ثم العرف هو المعتمد عند من يجعله يميناً في الإطلاق، وهذا يجري في " أُقسم " و" أقسمت"، وما ذكره المراوزة أنه لو قال: "أشهد بالله"، أو " شهدت بالله"، فهو كما لو قال: "أقسمت لا، و" أقسم".
وقال العراقيون: "أشهد " و" شهدت " كناية لا تعمل من غير النية وجهاً واحداً؛ فإن الشهادة لا تستعمل في الأيمان عموماً، بخلاف " الإقسام " وما يصدر منه من صيغ الألفاظ، وهذا حسن متجه.
وذكر صاحب التقريب أن المُلاعن إذا قال في لعانه: أشهد بالله، ثم كان كاذباً، فهل تلزمه الكفارة؟ فعلى وجهين، وهما يقربان عندي من اختلاف القول في أن المُولي هل يلتزم الكفارة، ووجهُ الشبه أن الإيلاء من مقتضيات الفراق، وكأنه-في قولي- خارجٌ عن الأيمان المحضة، واللعان بهذه المثابة؛ فإنه يبتُّ النكاح، ويوجب الفراق ويوقعه، وهذا فيه إذا زعم أنه نوى اليمين، أو قلنا: مطلقهُ يقتضي اليمين إذا لم يكن تورية، ففي الكفارة ما ذكرناه.
ومن لطيف القول في ذلك أنه وإن ورّى يمكن أن يقال: الوجهان جاريان في الكفارة، فإن الألفاظ معروضة عليه في مجلس الحكم، وسنوضح أن التورية لا أثر لها في الأيمان الجارية في مجلس الحكم، إن شاء الله تعالى.
11718- ومما يتم به مقصود هذا القسم سؤال وجواب عنه: فإن قيل: قد ذكرتم أن الجالب للباء في الحلف إضمار أقسمت أو أقسم ثم ألحقتم قوله: "بالله " بالقسم الأول وألحقتم قوله: "أقسم بالله " بالقسم الثالث، والصريح حقه أن يتقدم على المنوي المضمر.
قلنا: إذا قال: "أقسمت"، فهو موضوع للماضي، وإذا فسَّر مُطلِق اللفظ لفظَه بالإخبار عما مضى، كان التفسير منطبقاً على ما مضى، وكذلك القول في " أُقسم"، وإذا قال: "بالله"، فهذا في صريح اللغة عقد يمين في الحال لا تردّد فيه بين الماضي والمستقبل، فكأن حذف المضمر الجالب أوجب تخصيص اللفظ بالإنشاء، ثم يُفرض فيه جالب يليق بهذا الغرض، وهذا بيّن لاخفاء به، وكم من مضمَرٍ يقدره النحوي، واللفظ دونه أوقع، وهذا بمثابة قولهم: "ما أحسنَ زيداً " تقديره: شيء حسّن زيداً، وهذا التقدير لو صرح به، لأفسد معنى التعجّب أصلاً، ونظير ذلك كثير، ومهما أطبق العرب على مضمر يحذفونه، فذلك لاعتقادهم أن الحذف أولى في إفادة المقصود.
وحكى العراقيون نصاً عن الشافعي أنه قال: إذا قال: أقسمت بالله. أو أقسم بالله، أو أطلق كان مطلقه يميناً، وهذا غريب، ولذلك أخّرته عن ترتيب الطرق.
11719- القسم الرابع- إذا قال: أقسمت أو أقسم، ولم يذكر المقسم به، ولم يُجرِ في كلامه اسماً معظماً من أسماء الله تعالى، فلا يكون حالفاً وإن نوى؛ فإنّ التعويل في اليمين على ذكر اسم معظم من أسماء الله تعالى، أو من أسماء صفاته، فإذا أخلى كلامه عنه، لم ينعقد يمينه وإن أضمر الحلف بالله تعالى، وقد اتفقت الطرق على ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا أضمر ذكر الله تعالى، ونوى الإقسام به، وقد قال: أقسمت، كان حالفاً، وذكر العراقيون أنه لو قال: والموجود، أو الشيء، وزعم أنه أراد الرب تعالى، فلا يكون حالفاً، لأنه لم يذكر اسماً معظماً، وقد أوضحنا أن التعويل في اليمين على تأكيد الكلام بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفةٍ من الصفات الأزلية.
وقد تمهدت الأقسام الأربعة، وهي القواعد.
11720- ونحن نبتدىء بعد هذا ببيان المسائل الزائدة على ذكرنا، ونبدأ بتفصيل القول في الصِّلات التي يقع الإقسام بها، فنقول أولاً: الأصل في صلة القسم الباء، والجالب لها لفظ يصدر من الحلف أو الإقسام أو الإيلاء، ثم الواو تخلف الباء وتبدلها، فيقول المقسم: واللهِ، والبدل لابد وأن يقصُر عن المبدل قصوراً لا يظهر في مجاري الكلام، وقصور الواو أنه لا تتصل في القسم بالضمير بخلاف الباء، فإنك تقول به لأفعلن، ولا تقول: وه لأفعلن.
ثم أقاموا التاء مقام الواو، لأصلٍ قريبٍ من الاطراد عندهم في إقامة التاء مقام الواو؛ فإنهم قالوا: تخمة، وتراث، وتهمة، من الوخامة، ومن قولهم: ورث، والتهمة من الوهم، فلما وقعت التاء بدل البدل، ظهر قصورها، فلا تُلفَى متصلةً بغير قولهم " الله " فيقولون: تالله، قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه السلام: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57]، فإذا قال القائل: تالله، فالذي نص عليه هاهنا أنه بمثابة قوله بالله ووالله، وهذا ما نص عليه في الإيلاء أيضاً. ونص في القسامة على أنه ليس بيمين.
فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين: أصحهما- أن التاء كالباء، والواو، والثاني: أنها ليست صريحاً؛ لأن العادة لم تجر باستعمالها، وقال المحققون: نقطع القول بأن قوله تالله كقوله بالله، فإن الضِّلتين في هذا الاسم مستويتان باتفاق مذاهب العرب، وما ذكره في القسامة محمول على تصحيف القراء والناسخين، وفي كلام الشافعي ثَمَّ ما يدل على هذا؛ فقد قال الشافعي رضي الله عنه: "يا الله " لا يكون يميناً، ثم قال في سياق الكلام: وليس بيمين بل هو دعاء، وأراد بالدعاء النداء، ولا يتجه إلا ما ذكرناه، فإن جرينا على قطع القول-وهو الأصح- فلو قال القاضي لمن يستحلفه: قل بالله، فخالفه وقال: تالله، قال الأصحاب: لا يحسب ما جاء به، واليمين معروضة عليه بعدُ، وليس هذا من جهة أن التاء في هذا الاسم لا تقوم مقام الباء، ولكن السبب فيه أنه خالف القاضي، وحق المستحلَف أن يحلف على موافقة الاستحلاف.
ولو قال القاضي: قل بالله، فقال: بالرحمن، لم يكن حالفاً حلفاً محسوباً، لما ذكرناه. ولو قال: قل بالله، فقال: والله، فهذا لم أجد له ذكراً، وفيه تردد؛ من جهة أن الواو والباء لا يكادان يتفاوتان في مجاري الكلام. وهما متساويتان في الظهور.
ولا يمتنع ألا يُجعل حالفاً؛ من جهة المخالفة، كما لو استعمل التاء، والعلم عند الله تعالى.
ولو قال: قل بالله العلي الذي لا إله إلا هو، فقال المستحلف: بالله واقتصر، فهل يكون ناكلاً عن اليمين؟ فيه خلاف سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى، وسبب الخلاف أنه وافق في الحلف بالله، وامتنع عما بعده مما يُعدّ تغليطاً في اللفظ.
وإن قلنا: تالله بالتاء ليست بمثابة قول القائل بالله بالباء، فالمراد أن هذا يلتحق بالقسم الثالث، وهو إذا قال: أقسمت، أو أقسم بالله، وهذا ضعيف لا وجه له، وما تكلفه بعض الأصحاب من ندور هذه الصلة في الاستعمال، فهو غاية الإمكان.
11721- ولو قال: الله لأفعلن، فهذا يُذكر على وجوه: منها أن يقول: اللهُ بالرفع، فيقع الاسم المعظم مبدوءاً به، وليس معه صلةُ قسم، والجواب أنه لا يكون حالفاًَ إلا أن ينوي الحلف، ولو أطلق لا تكون يميناً.
ولو قال: اللهِ، بخفض الهاء، فلو نوى اليمين، كان يميناً، ولو أطلق، فوجهان، وظاهر النصّ يشير إلى فرض المسألة في الرفع، ولذلك قال: لا يكون يميناً إلا أن ينويها، ثم قال: لأنه كلام مبتدأ، وهذا إنما يتجه في الرفع، فإذا خفض، أشعر بالصلة الخافضة وإن لم يأت بها، وقد تفعل العرب ذلك، ولسنا نطوّل بذكر الشواهد فيها.
ولو قال: اللهَ بنصب الهاء، فإن نوى اليمين، كان يميناً وإن أطلق، فوجهان مرتبان على الخفض، والأَوْلى هاهنا أن يكون يميناً في الإطلاق، ومن صار إلى أنه يمين في الإطلاق حمل النصبَ على نزع الخافض، وهذا غير متجه، وقد نطقت العرب بهذا أيضاً.
11722- ولو قال بلّه، يأتي بلامٍ مشدّدة، ولم يأت بعدها بألفٍ؛ فالذي ذكره معناه الرطوبة وصورتها بلّه وليس ذاكراً اسمَ الله، وكان شيخي يقول: إن نوى يميناً، كان يميناً، وحُمل حذف الألف على اللحن، وهذا يعضده جريانه على الألسنة على هذا الوجه على ألسنة المحصلين، فضلاً عن العوام، وقد يستجيز العرب حذفَ الألف في الوقف؛ فإن الوقف يقتضي إسكانَ الهاء، فيجتمع ساكنان، وقد يستجيز العرب حذف أحدِ الساكنين، والوجه الإتيان بالألف؛ فإن اجتماع السّاكنين في الوقف سائغ.
ولو قال: وحقِّ الله تعالى أو قال: وعظمةِ الله تعالى، فقد تمهد تفصيل المذهب في الحلف بصفات الله، ولا يخفى أنه لو قال: وخَلْق الله وإحياء الله، ورزق الله تعالى، فليس حالفاً لأنه أقسم بخلق، والخلق والمخلوق واحد.
ولو قال: وحقِّ الله، فالذي صار إليه أئمة المذهب أن ذلك كناية؛ فإن قوله:
وحق الله متردد بين الواجبات التي تجب لله تعالى على عباده وبين استحقاقه الألوهية، وموجب التردد الالتحاق بالكنايات، وإنما تردد القول في هذا اللفظ مضافاً، وإلا فالحق من أسماء الله تعالى، وأبعد بعض أصحابنا، فألحق قولَه: وحقِّ الله بالحلف بصفات الله تعالى، وهذا لا أصل له.
وإذا قال: وعظمة الله، فالأصح أنه بمثابة الحلف بصفات الله تعالى، ومن أصحابنا من نزّله منزلة قوله " وحق الله تعالى"، وهذا لا اتجاه له، ومتعلق هذا القائل أن الشافعي جمع بين قول القائل: "وحق الله تعالى " وبين قوله: "وعظمة الله".
وإذا قال: "وحرمة الله"، فقد قال بعض الأصحاب: هو كقوله: "وحق الله " ومال طوائفُ من المحققين إلى أنه بمثابة الحلف بصفات الله تعالى.
11723- ولو قال: "لعمرُ الله " فهذا مما اختلفوا فيه أيضاً، فمنهم من جعله إقساماً ببقاء الله تعالى، فيلتحق بالإقسام بصفات الله تعالى، ومنهم من جعله كناية.
وكان شيخي يفصل بين أن يقول: وعَمرُ الله وبين أن يقول: لعمرُ الله، ويقول: الصلة المشهورة في القَسَم الواو، والباء، واللامُ في قولهم لعمرُ الله ليس من صلات القسم، حتى قال أهل التحصيل: تقدير الكلام إذا حمل على القسم أن يقال لعمرُ الله ما أُقسم به، وهذا التفصيل حسن.
ومن أصحابنا من ألحق اللفظين بالكناية: ما يستعمل بالواو وما يستعمل باللام؛ لأن العَمْر بمعنى البقاء ليس بالشائع.
ولو قال: "وايم الله " فهذا مما اختلف الأصحاب فيه؛ فذهب طوائف إلى أنه يلتحق بالحلف بصفات الله تعالى؛ فإن قوله " ايم الله " أصله أيمن الله، والأيمن جمع اليمين، فكأنه قال: حلفت بالله، وغلا غالون؛ فقالوا: هو كما لو قال: بالله؛ فإن هذا شائع مستفيض في العرف، ولا معنى له إلا ما ذكرناه.
ومن الأصحاب من ألحقه بالكناية.
ولو قال: "عليّ عهد الله " أو قال: "وعهد الله"، فهذا كناية محضة باتفاق الأصحاب.
11724- ومما بقي من الكلام في الألفاظ أنه لو ذكر اسماً من أسماء الله تعالى لا يختص به كالعليم والرحيم والجبار، فقد كان شيخي يقول: في القلب من هذا شيء، ثم كان يميل إلى أنه كناية، وليس كقوله: والموجود؛ فإنه ليس من أسماء الله تعالى، ولا تعظيم في لفظه، وألحق بما ذكرناه ما لو قال: والحقِّ؛ فإنه مشترك، وإن ذكر في أسماء الله تعالى.
وقد نجز الكلام في ألفاظ الأيمان تمهيداً أولاً، وتفريعاً لآحاد المسائل.
فصل:
قال: "ومن حلف بغير الله تعالى، فهو يمين مكروهة... إلى آخره".
11725- يكره الحلف بغير الله، فلا ينبغي أن يقول من يريد تأكيداً: "وحق محمد، والكعبة " وما أشبه ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً، فليحلف بالله أو فليصمت» وروي «فليسكت» وقال عمر رضي الله عنه سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلف بأبي فقال: «ألا إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العُشَراء: «وأبيك لو طعنت في خاصرته لحل لك» قلنا: جرى هذا في كلامه صلى الله عليه وسلم من غير قصدٍ كما يقول الواحد منا: لا والله وبلى والله من غير أن يجرد إلى الحلف قصداً.
ثم قال الشافعي في الحلف بغير الله: "أخشى أن يكون معصية " فتردد أصحابنا، فقال قائلون: هذا ترديد قولٍ من الشافعي، وقد يشهد لكونه معصية مطلق قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» والأصح القطع بأنه مكروه وليس بمحرّم، ولفظ الشافعي محمول على مبالغات المتحرجين.
11726- ومما ألحقه الأصحاب بذلك أن قالوا: الاستكثار من اليمين بالله تعالى من غير حاجة مكروه، ولفظ الشافعي: "وأكره الأيمان على كل حال " قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]، فلا ينبغي أن يحلف إلا عند حثّ على طاعة الله أو زجر عن معصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأغزون قريشاً».
فصل:
قال: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها... إلى آخره".
11727- مذهبنا أن الأيمان لا تغير الأشياء عن موضوعها وحقائقها، فالمحظور على الحظر، والواجب على الوجوب، والمندوب على الندب، وسنذكر في المباح كلاماً شافياً، إن شاء الله تعالى. وقاعدة المذهب أن الأيمان لا أثر لها في تغيير الأحكام.
وأما أبو حنيفة رحمة الله عليه، فإنه صار إلى أن الأيمان إذا انعقدت، أثرت وغيرت حتى انتهى إلى أن من قال: والله لا أصلي، فقد حرمت الصلاة عليه وإن كانت واجبة شرعاً، فهي مفروضة محرمة، ولو حلف ليكفرن، قالوا: وجب ذلك، وبنى على هذا الأصل مسائلَ: منها التكفير قبل الحنث مَنَعه؛ مصيراً إلى أن اليمين مُحرِّمة مانع من الحنث، والمانع من الشيء لا يوجب ما يوجبه ذلك الشيء.
ومما بناه على ذلك قوله: لا ينعقد اليمين الغموس، لأن شأن اليمين أن تؤثر، وما انقضى لا يقبل التأثير، فلا تنعقد اليمين عليه، وقال بناء على ذلك: إذا قال: حرّمت هذا الطعام، التزم الكفارة، كما لو قال: والله لا آكل هذا الطعام؛ فإن مقتضى اللفظين التحريم، وحَكَم بأن من قال: إن دخلت الدار، فأنا يهودي فهو كما لو حزم دخول الدار على نفسه، وزعم أن يمين الكافر لا تنعقد، لأنه لا يخاطب بالتحريم الشرعي.
وعندنا اليمين لا يحرِّم ما ليس محرّماً، ولا يحلل محرماً، ثم إذا حلف لا يفعل طاعةً، فعلها، ولا يخفى موجَب الحنث، والندب لا يزول بسبب يمينه.
11728- ولو عقد يمينه على مباح، فكيف السبيل فيه؟ حاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأَوْلى ألا يُقدّم على ذلك المباح؛ فإن اليمين على حالٍ محترمة، فتحقيقها، وتصديقها والمحلوف عليه مباح أقرب إلى التعظيم، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يرشد إلى ذلك؛ فأنه قال: "أما إني لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير " فخصص صلى الله عليه وسلم حلّ اليمين بما لو كان حَلُّها خيراً وطاعة، مثل أن يحلف لا يتصدق، فدل مفهوم الحديث على أن الحَلَّ إذا لم يكن طاعة، فلا ينبغي أن يختاره ويؤثره الحالف.
وقال العراقيون: ينبغي أن يحنث نفسه وهو محثوث على ذلك، ليتبين أنه بيمينه لم يغير حكمَ الله تعالى، وقد يشهد لهذا صدر سورة التحريم قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: 1]، ثم استحثه على الحل، فقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، وهذان الوجهان متناقضان الأول لصاحب التقريب، وهو اختيار الصيدلاني، والثاني للعراقيين قطعوا به، وهو اختيار شيخي.
وذهب ذاهبون إلى أنا لا نحث على الحَل، ولا ننهى عنه، ونرى المباحَ مباحاً كما كان، وقد أشار القاضي إلى هذا، فقال: المباح بعد اليمين مباح، ولو كرهنا الإقدام عليه، لما بقي مباحاً، وهذا يعضَّدُ بالقاعدة الكلية في أن الأيمان لا تغير الأحكام.
ثم اتفق الأصحاب على أن من حلف عن الامتناع مما يقتضي الشرع الامتناعَ عنه، فلا تستحثه اليمين على المخالفة، وإنما التردد فيه إذا كان متعلَّق اليمين مباحاً، وأفرط العراقيون فذكروا وجهاً أن اليمين تستحث على الهجوم على ما يكون مكروهاً لولا اليمين، ومثال ذلك: أنا نكره دخول بلدة فيها بدع وأهواء، فلو قال: والله لا أدخل بلدة فيها بدع، قالوا: فنؤثر له في وجهٍ أن يدخل بلدة كذلك، وذكروا وجهاً أنه لا يدخلها، والوجه القطع بأنا لا نحمله على أن يدخلها ويبقى المكروه مكروهاً كما كان، والتردد الذي ذكره العراقيون على نهاية الفساد.
فصل:
قال: "ولو قال: والله لقد كان كذا وكذا، ولم يكن، أثم وكفَّر... إلى آخره".
11728/م- أراد بذلك اليمين الغموس، وهي اليمين المعقودة على ماضٍ نفياً كان أو إثباتاً، فاليمين منعقدة عندنا، على معنى أنها توجب الكفارة، ولم نعن بانعقادها أنها تنعقد انعقاد العقود ثم تنحل، وهذا يُستقصى في الخلاف. وقال أبو حنيفة: ليس على صاحب اليمين الغموس إلا المأثم.
11729- ثم قال الشافعي: ولو قال: "أسألك بالله، أو أعزم عليك بالله، لتفعلنّ... إلى آخره " إذا قال لواحدٍ: أقسم عليك بالله، أو أحلف عليك، فإن أراد عقد اليمين على صاحبه، لم ينعقد عليه، ولغا، وإن أراد به المناشدة لتقريب غرضٍ، فالذي جاء به ليس بيمين، وإن أراد أن ينعقد اليمين في حق نفسه، انعقدت اليمين في حق نفسه، وإذا أطلق اللفظ، فمطلق اللفظ محمول على المناشدة، فلا يكون يميناً.
ثم عقد المزني باباً في الاستثناء عن اليمين، وقد استقصيناه تمهيداً وتفريعاً على أحسن الوجوه في الطلاق، فلا نعيده.